أسماعيل باشا

 اسماعيل يتولي حكم مصر 1863م
تولي اسماعيل باشا ولاية مصر عام 1863 م بعد وفاة عمه سعيد باشا، و كان عمر اسماعيل في ذلك الوقت حوالي ثلاثة و ثلاثين عاماً.
 منذ أن تولي اسماعيل باشا سدة الحكم في مصر ، صمم علي أن يسير علي خطي جده محمد علي و أن يتعلم من أخطائه ، فوضع لنفسه أهدافاً عليا يصبو إليها و هي :

الخديو إسماعيل
-          السير بمصر في سبيل المدنية الحديثة و النهوض بها إلي مصاف الدول العظمي
-          الفوز باستقلال مصر عن الدولة العثمانية
-          الوصول إلي استقلال مصر و نهضتها ليس عن طريق تغليب السيف ، الأمر الذي لم يفلح فيه جده محمد علي ، و إنما عن طريق الارتكان إلي الدول الأجنبية و الوصول إلي الأهداف بالدهاء و الاقناع.
 كان من أولويات أهداف اسماعيل باشا تحقيق أكبر استقلال لمصر عن الدولة العثمانية ، و لكن بالطرق السلمية ، فسعي للتخلص من قيود معاهدة لندن 1840.
 و في سبيل ذلك قام بدعوة السلطان العثماني عبد العزيز إلي مصر و بذل كثير من الأكراميات و الهدايا ملأت سفينة بأكملها ، بالإضافة إلي ستين ألف جنيه للصدر الأعظم فؤاد باشا ليبذل مساعيه الحميدة لدي السلطان لاستصدار الفرمانات. و في النهاية تكللت مساعيه بالنجاح. فقد حصل علي فرمان 27 مايو 1866 م  الذي نص علي :
-          تغيير نظام الوراثة ليكون في أكبر أنجال أسماعيل باشا بدلاً من أكبر الذكور في أسرة محمد علي.
-          زيادة عدد الجيش المصري من 18 ألف إلي 30 ألف جندي
-          إقرار حق مصر في ضرب النقود
-          منح الرتب المدنية لغاية الرتبة الثانية.
 كما حصل علي فرمان 8 يونيو 1867 م الذي أعطاه الميزات التالية:
-          حصل علي لقب خديو بدلاً من والي ، و هو اللقب الذي منحه استقلال في عقد المعاهدات التجارية و شئون ضبط الجاليات الأجنبية.
 واصدر فرمان 10 سبتمبر 1872 م و خط شريف في 25 سبتمبر 1872 م يخول اسماعيل حق الاستدانة من الخارج دون الرجوع للدولة العثمانية.
 و أخيراً صدر الفرمان الشامل في 8 يونيو 1873 م الذي ثبت لمصر حقوقها الكاملة في الاستقلال فيما عدا : دفع الجزية السنوية و عقد معاهدات سياسية و حق التمثيل الدبلوماسي و صناعة المدرعات الحربية.


أراد اسماعيل اشراك الأمة المصرية معه في الحكم. فعمد إلي انشاء مجلس نيابي في أوائل سنة 1866 م، ووضع له قانون انتخابي، و جعل اختصاصاته واسعة  و أراءه استشارية. و كان تنازل اسماعيل عن بعض سلطاته للشعب أمراً جديداً و نادراً في ذلك الوقت ، ليس فقط في الشرق و إنما أيضا في الغرب. فكان يدل علي بعد نظر و رؤية ثاقبة و شجاعة كبيرة.
إلا أن المجلس النيابي في البداية لم يؤثر التأثير المرجو منه ، لأن الناس و من بينهم النواب لم يعهدوا أن يبحثوا و يقرروا شئون أنفسهم ، فقد ظلوا مأمورين لفترات طويلة من الزمان .
و لكن ما لبث المجلس أن زاد من نفوذ طبقة الأعيان الذين سيلعبوا دوراً مهماً في الحركة الوطنية في عهد توفيق كما سنري.
كما أعاد اسماعيل تقسيم البلاد ثلاثة أقسام كبري : البحري و المتوسط و الصعيد. و قسم هذه الأقسام إلي أربع عشرة مديرية و ثمان محافظات.
فمن المديريات سبع في الوجه البحري و هي: الجيزة و البحيرة و القليوبية و الشرقية و المنوفية و الغربية و الدقهلية و ثلاث في الاقليم المتوسط وهي: بني سويف و الفيوم و المنيا و خمس في الصعيد و هي: أسيوط و جرجا و قنا و القصير و إسنا.
أما المحافظات الثمان فهي: العاصمة و الاسكندرية و دمياط و رشيد و العريش و بورسعيد و السويس و سواكن.
و كانت كل مديرية تنقسم إلي عدة مراكز علي رأس كل مركز مأمور ، و كل مركز ينقسم إلي أقسام و يرأسه ناظر ، و كل قسم ينقسم إلي نواح ، و كل ناحية يرأسها عمدة و يساعده شيخ البلد.
و الجديد في الأمر أن اسماعيل أدخل نظام الانتخاب في النواحي، ففوض أهالي كل ناحية أمر انتخاب عمدتها و مشايخها.


أعاد اسماعيل تكوين ديوان المدارس الذي بدأه محمد علي، و كان قد أُغلق في عهد عباس و سعيد. و طوال مدة حكم اسماعيل تأسست مدارس متنوعة مثل الحربية، و المهندسخانة ، و الحقوق التي لها الفضل الكبير في تقدم القانون و التشريع و القضاء و الحياة الأدبية، و مدارس دار العلوم لتخريج أساتذة اللغة العربية، و مدرسة الطب.
 كما أهتم أسماعيل بتعليم البنات فأقيمت مدرستان للبنات السيوفية بالاسكندرية و القربية بالقاهرة.
 كما أنتشرت المدارس الأوربية التي أقامتها الارساليات الدينية و بلغت في عهد اسماعيل 70 مدرسة ، و لقد أفادت هذه المدارس في إعداد عناصر كثيرة من رجال الأعمال و موظفي الحكومة ، و لكنها أيضاً عمقت ازدواجية الفكر و الثقافة بين طبقات الشعب المصري.
 و في وقت بدأ التغريب يزحف علي الدول العربية، عمد الأزهر إلي إنشاء كلية دار العلوم سنة 1871م لدراسة اللغة العربية و آدابها. و كان مكانها الأول في سراي الجماميز بحي قديم في القاهرة، ثم انتقلت لحي المنيرة جنوب مصر سنة 1900م.

زاد العمران في البلاد بطريقة تعيد إلي الأذهان عمارة المماليك الرائعة ، فقام اسماعيل ببناء المدن الجديدة منها مدينة الإسماعيلية التي سميت باسمه و مدينة حلوان.
ويعد اسماعيل باشا هو أول من بدأ البناء في المنطقة التي تعرف الآن بوسط البلد في القاهرة، فقد قام بتنظيف ما بين بابي الفتوح و النصر و قلعة الكبش و السيدة زينب من شوارع و أزقة و أسواق بتعميم الكنس و الرش ، ثم أختط ما بين الظاهر و باب الحديد الشارع المدعو الآن شارع الفجالة و اختط ما بين باب الحديد و الأزبكية الشارع الذي أطلق عليه اسم كلوت بك. ثم اختط جنوب الأزبكية ناحية القلعة الشارع الضخم الذي أطلق عليه اسم جده شارع محمد علي.
كما اختط أحياء التوفيقة و عابدين و الاسماعيلية ، و أقام في طرف الأزبكية الجنوبي مسرحين ضخمين هما المسرح الجديد و الأوبرا. و أمام مسرح الأوبرا أقام اسماعيل ميداناً عريقأ علي شاكلة ميادين باريس  والذي يعرف الآن بميدان الأوبرا.
كما أنشأ سراي عابدين و كوبري قصر النيل و كوبري الانجليز الذي يربط  الجزيرة ببر الجيزة

أهتم اسماعيل بالزراعة اهتماماً كبيراً فأنشأ وزراة الزراعة، و بدأ في الصعيد بتنفيذ خطة للإكثار من حفر الترع، فأنشأ غربي النيل ترعة الإبراهيمية العظيمة و اسماها باسم أبيه أبراهيم باشا. و هي ترعة تخرج من أسيوط و تسير شمالاً لتروي مديريتي أسيوط و المنيا ، ثم تستمر متجهة إلي الشمال لتصب في فرع رشيد.
كما قام بشق ترعة بين بولاق و السويس لري أراض صحراء مصر الشرقية و سميت بترعة الاسماعيلية باسم منشئها. و بوصول ماء النيل العذب إلي مدينة السويس لأول مرة منذ نشأتها ، ازدهر هذا الثغر و ازداد سكاناً و أهمية تجارية.
كما أن مشروع القناطر الخيرية الذي بدأه محمد علي ، لم يهتم كل من عباس أو سعيد بإنهائه. فكلف اسماعيل باشا المستر فولر باتمامه ، فاشتغل فيه ثلاث سنوات حتي أتمه سنة 1878 م .
كما اهتم اسماعيل بحفر الترع و المجاري المائية حتي بلغت 200 ترعة طوال مدة حكمه ، و تكلفت ثلاثة عشر مليوناً من الجنيهات. و طولها مايزيد عن ثمانية آلاف و أربعمائة ميل.
و كان من نتائج كل هذه الأعمال زيادة الرقعة الزراعية بمقدار مليون و نصف مليون من الأفدنة علي المساحة المزروعة.
و في المواصلات أهتم اسماعيل ببناء الكباري ، فأنشاْ أربعمائة و ستة و عشرين كوبرياً ، أشهرها كبري قصر النيل في القاهرة الذي يخرج من ميدان التحرير حالياً.
و في خطوط السكك الحديدية مد اسماعيل أكثر من ألف ميل من السكك الحديدية بين المدن لنقل الحاصلات الزراعية و تسهيل التجارة.
كما توسع في مد اسلاك التلغراف بين العاصمة و بقية المدن ،و بين مصر و بقية دول العالم.  و كان التلغراف في ذلك الوقت هو أسرع وسيلة للاتصال قبل اختراع التليفون.
و في مجال التجارة كان زمن الاحتكار الذي أقامه محمد علي قد أنقضي ، و أصبح الفلاح يزرع ما يشاء و يسوق محصوله لمن يدفع أكثر ، و ينقل محصوله إلي المدن لبيعه.
و في عهد الخديو اسماعيل بزغت شمس الأهرام، عملاق الصحافة في مصر، بعد أن وافق الخديو اسماعيل علي التماس تقدم به سليم تكلا السوري لإنشاء مطبعة الأهرام في 27 ديسمبر 1875 م. و في 5 أغسطس 1876 م صدر العدد الأول من جريدة الأهرام الأسبوعية من 4 صفحات. و في 3 يناير 1881م أصبحت صحيفة الأهرام يومية.
الحقيقة أن كل الانشطة الاقتصادية قد ازدرت في عهد الخديو اسماعيل ، فقد أولي عناية كبيرة للارتقاء بالبلاد و أقام مشروعات ضخمة نقلت مصر نقلة نوعية.
فزادت الواردات في تلك الفترة نتيجة لكل هذه المشاريع الضخمة ، و لكن الصادرات المصرية زادت بصورة أكبر ، ففي الوقت الذي بلغت فيه الواردات المصرية سنة 1875 م 5,694,820  ، بلغت الصادرات 12,730,195
كما زادت إيرادات الحكومة من أربعة ملايين و ثلاثمائة و ثلاثون جنيهاً عام 1862 إلي عشرة ملايين و سبعمائة و اثنين و سبعين ألفاً عام 1876 م .

بلغت ديون مصر عند وفاة سعيد باشا 11 مليون و مائة و ستون ألفاً من الجنيهات. و عندما تولي إسماعيل الحكم واصل سياسة الاقتراض للصرف علي مشاريعه الكبري الأمر الذي أقلق أصحاب الديون من البنوك الأوربية و المرابين علي ديونهم ، و لجأوا إلي حكوماتهم للقيام بالإجراءات اللازمة تجاه الحكومة المصرية لسداد الديون.
كانت انجلترا في مقدمة الدول التي استجابت لضغط الدائنين و رأت في ذلك فرصة لتحقيق أطماعها السياسية في الاستيلاء علي مصر و التي كانت لديها منذ أيام الحملة الفرنسية 1798 م و حملة فريزر 1807م و خاصةً بعد افتتاح قناة السويس للملاحة. و من هنا استغلت انجلترا أصحاب الديون للتدخل باسمهم في شئون البلاد لتحقيق الغرض النهائي و هو الاحتلال.
 أضطر اسماعيل تحت ضغط الدول الدائنة و بالتنسيق مع حكوماتهم إلي استقدام بعثة كييف 1875 م من بريطانيا للمعاونة في حل الأزمة المالية. فدفع ذلك فرنسا إلي ارسال خبير باسمها هو المسيو فييه للمعاونة أيضاً حتي لا تنفرد انجلترا بالأمر.
و استرضاء للدائنين طلب اسماعيل منهم وضع النظام الذي يرتضونه، فقدم الجانب الفرنسي مشروع إنشاء صندوق الدين و توحيد الديون ، فصدر مرسوم بإنشاء الصندوق في 2 مايو 1876 م و تحددت مهمته في أن يكون خزانة فرعية للخزانة العامة تتولي استلام المبالغ المخصصة للديون من المصالح الحكومية مباشرة.
و تداعت مظاهر التدخل ففي 11 مايو 1876 م أصدر الخديو مرسوماً بإنشاء مجلس أعلي للمالية من عشرة أعضاء نصفهم من الأجانب ، و في 18 نوفمبر من عام 1876 م أنشئت المراقبة الثنائية علي المالية المصرية لاثنين انجليزي و فرنسي.
 و بالرغم من وجود الرقابة الأجنبية سارت الأمور من سيء إلي أسوأ، و اتهمت إدارة المراقبة المالية الخديو اسماعيل أنه يقيم العقبات في سبيل انتظام الشئون المالية. و أقترح الرقيبان تأليف لجنة عليا أوروبية للتحقيق في اسباب العجز في أبواب الإيرادات. و تم انشاء اللجنة في 27 يناير 1878 م ، و تلا ذلك مرسوماً آخر في 30 مارس 1878م بتعميم اختصاص اللجنة ليشمل المالية بكل عناصرها.
 و في النهاية ضغطت الحكومات الأوروبية علي السلطان العثماني لعزل الخديو اسماعيل، و بالفعل أصدر السلطان العثماني عبد الحميد فرمان العزل في يونية 1879 م ، و كان علي اسماعيل أن يغادر مصر إلي أي جهة يريدها فأختار إيطاليا.
 بلغت ديون مصر عند عزل اسماعيل 126 مليون و 354 ألف و 360 جنيهاً.
 و مكث اسماعيل في إيطاليا عدة سنوات قبل أن ينجح في شراء سراي مطلة علي البوسفور في إستانبول، فأنتقل إليها هو و أبناؤه و منهم الأمير أحمد فؤاد الذي سيصبح ملكاً علي مصر فيما بعد.
 خلف إسماعيل ابنه الأكبر توفيق علي مسند الخديوية، و بذلك أنقضت فترة مزدهرة من تاريخ مصر و بدأت فترة أخري كئيبة بدأت بالديون و أعقبها الاحتلال الإنجليزي ثم الحرب العالمية الأولي و ما صاحبها من فرض الحماية البريطانية علي مصر ثم الحرب العالمية الثانية و ما أعقبها من حرب فلسطين.
 و الحقيقة أن الرغبة في التخلص من اسماعيل كانت كبيرة لدي الأوروبيين، فبعد افتتاح قناة السويس للملاحة و هي الشريان المائي الاستراتيجي الذي يربط الدول الأوربية بمصادر المواد الخام في دول جنوب شرق آسيا، و بعد توسعات اسماعيل في شرق أفريقيا و اصطدامه بأطماع الأوربيين هناك، فضلاً عن مشروعات اسماعيل العملاقة في مصر و التي تحولها إلي دولة رائدة في المنطقة، كل هذا جعل الأوروبيين و علي رأسهم انجلترا يبحثون عن الثغرات للتدخل في مصر ، و كانت أزمة الديون هي الثغرة التي نفذوا منها.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق